محمد كرد علي

65

خطط الشام

أرسل فريقا آخر إلى الجليل ففتحت مدينة صفورية ( صافوريس ) أبوابها لجنود الرومانيين واقتدى بها غيرها من المدن ، واعتزل المشاغبون في جبل عرقون المقابل لصفورية ، فسار إليهم الجند فظهروا عليهم وقتلوا منهم أكثر من مائتي رجل ، وأحدقوا بالجبل من كل جهة فقتلوا منهم نحو ألف إنسان ثم أحرق أفيق ( فقوعة ) والفولة والقرى المجاورة لها . وتسلسلت هذه الوقائع الرومانية في هذا القطر ، فسار فسبسيان الروماني إلى الكرك ( تاريكا ) فقتل منهم وانهزم كثيرون في سفنهم وأبعدوا في بحيرة لوط فكان عدد القتلى من اليهود في البحر والمدينة ستة آلاف وخمسمائة رجل . وبعد أن قهر الرومانيون كرك وجفت - وجفت غربي قانا الجليل على مقربة من جبل كوكب كاران - استسلمت باقي المدن وهلك من أهل كامالا شرقي البحيرة خمسة آلاف ، ثم خضعت بعض مدن فلسطين وقتل في القدس ثمانية آلاف وخمسمائة سنة 68 وجعلت القدس مستعمرة رومانية ( 136 ) باسم إيليا كابيتولينا ، ثم انقضت قرون في سلام على الجملة ، ولم يدخل الشام في حرب خارجية . كانت معاملة الرومان للشاميين بادىء بدء عادلة حسنة مع ما كانت عليه مملكتهم في داخليتها من المشاغب والمتاعب . ولما شاخت دولتهم انقلبت إلى أتعس مما كانت عليه من الرق والعبودية . ولم تضف رومية بلاد الشام إليها مباشرة ، ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين ، ولا أرضهم أرضا رومانية ، وظلوا غرباء ورعايا وكثيرا ما كانوا يبيعون أبناءهم ليوفوا ما عليهم من الأموال . وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق وبهذه الأيدي عمر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام . وفي سنة 540 جاء ملك الفرس خسرو الأول واسمه عند العرب أنو شروان في جيوشه الضخمة ودخل الشام وظلّ فيه ثلاث سنين ، وطرد بليزير الروماني الفرس سنة 542 وعادوا إليها بعد وفاة يوستنيانوس بزعامة خسرو الثاني ، والتحم القتال مع ملوك الساسانيين وطردهم الإمبراطور هرقل